القاضي عبد الجبار الهمذاني

8

المنية والأمل

قتيبة في المعارف ، قال الشهرستاني : وروى أنه دخل واحد على الحسن البصري ، فقال : يا إمام الدين ، لقد ظهر في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم لا تضر مع الايمان ، بل العمل عندهم ليس من الايمان ركنا ولا يضر مع الايمان معصية ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وهم مرجئة الأمة ، فكيف تحكم أنت لنا في ذلك ، اعتقادا ؟ فتفكر الحسن في ذلك ، وقبل أن يجيب ، قال واصل بن عطاء : « أنا لا أقول ، إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا ، ولا كافر مطلقا ، بل هو في منزلة بين المنزلتين ، لا مؤمن ولا كافر ثم قام ، واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد ، يقرر ما أجاب به ، على جماعة من أصحاب الحسن . فقال الحسن : اعتزل عنا واصل ، فسمي هو وأصحابه : « معتزلة » « 1 » . قال الشهرستاني « 2 » وقرره بأن قال : الايمان عبارة عن خصال خير ، إذا اجتمعت سمى المرء مؤمنا ، وهو اسم مدح ، والفاسق لم يستجمع خصال الخير ، فلا يستحق اسم المدح ، فلا يسمى مؤمنا ، وليس هو بكافر أيضا لأن الشهادة وبعض اعمال الخير موجودة فيه لا وجه لانكاره ، ولكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة ، من غير توبة ، فهو من أهل النار خالدا فيها ، إذ ليس في الآخرة إلا الفريقين : فريق في الجنة وفريق في السعير ، لكنه يخفف عليه العذاب ، وتكون دركته فوق دركة الكفار . وتابعة على ذلك عمرو بن عبيد « 3 » ،

--> ( 1 ) وردت في الملل والنحل مع إختلاف طفيف - القسم الأول - تحقيق الدكتور : محمد بن فتح اللّه بدران ص 52 . ( 2 ) هو : أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني ، المتكلم على مذهب الأشعري ، كان إماما مبرزا فقيها ، تفقه على أحمد الخوافي ، وعلى أبى نصر القشيري ، وبرع في الفقه ، وقرأ الكلام على أبى القاسم الأنصاري وصنف كتاب « نهاية الاقدام في علم الكلام » وكتاب « الملل والنحل » والمناهج والبيان ، وكتاب المضارعة . ودخل بغداد سنة عشر وخمسمائة ، وأقام بها ثلاث سنوات . وكانت ولادته سنة سبع وستين وأربعمائة بشهرستان . وموته بها أيضا في أواخر شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة وقيل سنة تسع وأربعين والأول أصح . رحمه اللّه تعالى . ( وفيات الأعيان : ابن خلكان ج 3 ص 403 ) . ( 3 ) تلميذ واصل بن عطاء وله ترجمة ، انظر ص 43